ابن خلدون
113
تاريخ ابن خلدون
إلى العدوة ونزل بغرناطة وانتظم في الغزاة المجاهدين وأمسك عن جراية السلطان فلم يمد إليها يدا أيام مقامه وكانت من أنزه ما جاء به وتحدث به الناس فأغربوا واتقدت لها جوانح هلال حسدا وعداوة فأغرى سلطانه فخاطب ابن الأحمر في استقدامه فأسلمه إليه واستعمله السلطان في حروبه على قاصيته حتى كان من نهوضه بالعساكر إلى إفريقية للقاء مولانا السلطان أبى يحيى سنة سبع وعشرين وكانت الدبرة عليه واستلحمت زناتة ورجع في الفل فأغرى هلال السلطان وألقى في نفسه التهمة به ونمى ذلك إليه فلحق بالعرب الزواودة وعقد مكانه على محاصرة بجاية ليحيى بن موسى صاحب شلب ونزل هو على سليمان ويحيى بن علي بن سباع بن يحيى من أمراء الزواودة في أحيائهم فلقوه مبرة وتعظيما وأقام بين أحيائهم مدة ثم استقدمه السلطان ورجع إلى محله من مجلسه ثم تقبض عليه لأشهر وأشخصه إلى الجزائر فاعتقله بها وضيق محبسه ذهابا مع أغراض منافسة هلال حتى إذا سخط هلالا استدعاه من محبسه أضيق ما كان فانطلق إليه فلما تقبض على هلال قلد موسى بن علي حجابته فلم يزل مقيما لرسمها إلى يوم اقتحم السلطان أبو الحسن تلمسان فهلك مع أبي تاشفين وبنيه في ساحة قصرهم كما قلناه وانقضى أمره والبقاء لله وانتظم بنوه بعد مهلكه في جملة السلطان أبى الحسن وكان كبيرهم سعيد قد خلص من بين القتلى في تلك الملحمة بباب القصر بعد هدو من الليل مثخنا بالجراح وكانت حياته بعدها تعد من الغرائب ودخل في عفو السلطان إلى أن عادت دولة بنى عبد الواد فكان له في سوقها نفاق حسبما نذكره والله غالب على أمره ( وأما يحيى بن موسى ) فاصله من بنى سنوس احدى بطون كومية ولهم ولاء في بني كمين بالاصطناع والتربية ولما فصل بنو كمين إلى المغرب قعدوا عنهم واتصلوا ببني يغمراسن واصطنعوهم ونشأ يحيى بن موسى في خدمة عثمان وبنيه واصطناعهم ( ولما كان ) الحصار ولاه أبو حمو مهمه من التطواف بالليل على الحرس بمقاعدهم من الأسوار وقسم القوت على المقاتلة بالمقدار وضبط الأبواب والتقدم في حومة الميدان وكان له أعوان على ذلك من خدامه قد لزموا الكون معه في البكر والآصال والليل والنهار وكان يحيى هذا منهم فعرفوا له خدمته وذهبوا إلى اصطناعه وكان من أول ترشيحه ترديد أبى يوسف بن يعقوب بمكانه من حصارهم فيما يدور بينهم من المضاربة فكان يجلى في ذلك ويوفى من عرض مرسله ولما خرجوا من الحصار أربوا به على رتب الاصطناع والتنويه ( ولما ملك أبو تاشفين ) استعمله بشلب مستبدا بها وأذن له في اتخاذ الآلة لما عزل موسى بن علي عن حرب الموحدين وقاصية الشرق عزله به وكانت المرية وتنس من عمله فلما نازل السلطان أبو الحسن تلمسان راسله بالطاعة والكون معه فتقبله وجاء به من